وأصله في قوله: (إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي: إلا لتبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه؛ لأنهم اختلفوا في المحق في ذلك؛ لأن كل فريق منهم ادّعى أنه هو المحق، وأن الذي هو عليه الحق، وأن غيره على باطل، فأخبر أنه أنزل الكتاب عليه ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) جعل اللَّه تعالى رسوله وكتابه هدى ورحمة للمؤمنين؛ لأنهم آمنوا بهما، وصدقوهما، وقبلوهما، فصار ذلك لهم، هدى ورحمة ونورًا، وأمَّا من كذبهما ولم يقبلهما فهو عذاب عليهم وعمى، وهو كقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ...) الآية. وهو ما ذكر (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) يذكر - عَزَّ وَجَلَّ -
قدرته وسلطانه، حيث أخبر أنه ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وهي ميتة، ويخرج منها نباتًا وزروعًا وأشجارًا، فمن قدر على هذا لقادر على إحياء الأنفس بعد موتها لأنه لا فرق بين الإحياءين إحياء الأرض واحياء الأنفس، إذ من قدر على أحدهما قدر على الآخر (إِنَّ فِي ذَلِكَ) فيما ذكر (لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لآية لقوم يسمعون المواعظ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لآية لقوم يسمعون الآيات والحجج، وأما من لم يسمع فلا يكون له آية، وأصله: إن في ذلك لآية لقوم ينتفعون بسماعهم، ولآية لقوم يعقلون، أي: ينتفعون بعقولهم، وأصله أن هذا كله يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله؛ لأنهم هم العاقلون عن اللَّه ما أمرهم به ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ومواعظه، وكله كناية عن المؤمنين، واللَّه أعلم.