(فصل)
ثمَّ تَأمل كَيفَ كُسِيت أجسام الْحَيَوَان البهيمي هَذِه الْكسْوَة من الشّعْر والوبر وَالصُّوف وكسيت الطُّيُور الريش، وكسي بعض الدَّوَابّ من الْجلد مَا هُوَ فِي غَايَة الصلابة وَالْقُوَّة كالسلحفاة وَبَعضهَا من الريش مَا هُوَ كالأسنة كل ذَلِك بِحَسب حاجاتها إلى الْوِقَايَة من الْحر وَالْبرد والعدو الَّذِي يُرِيد أذاها، فإنها لما لم يكن لَهَا سَبِيل إلى اتِّخَاذ الملابس واصطناع الْكسْوَة وآلات الْحَرْب أعينت بملابس وَكِسْوَة لَا تفارقها وآلات وأسلحة تدفع بهَا عَن نَفسهَا وأعينت بأظلاف وأخفاف وحوافر لما عدمت الأحذية وَالنعال، فمعها حذاؤها وسقاؤها، وَخص الْفرس والبغل وَالْحمار بالحوافر لما خلق للركض والشد والجري، وَجعل لَهَا ذَلِك أيضا سِلَاحا عِنْد انتصافها من خصمها عوضا عَن الصَّيَاصِي والمخالب والأنياب والبرائن.
فَتَأمل هَذَا اللطف وَالْحكمَة فَإِنَّهَا لما كَانَت بهائم خرصا لَا عقول لَهَا وَلَا أكف وَلَا أصابع مهيأة للِانْتِفَاع والدفاع ولا حظ لَهَا فِيمَا يتَصَرَّف فِيهِ الآدميون من النسج والغزل ولطف الْحِيلَة جعلت كسوتها من خلقتها بَاقِيَة عَلَيْهَا مَا بقيت لَا تحْتَاج إلى الِاسْتِبْدَال بهَا، وَأعْطيت آلَات وأسلحة تحفظ بهَا أنفسها كل ذَلِك لتتم الْحِكْمَة الَّتِي أريدت بهَا وَمِنْهَا.
وَأما الإنسان فَإِنَّهُ ذُو حِيلَة وكف مهيئة للْعَمَل فَهِيَ تغزل وتنسج ويتخذ لنَفسِهِ الْكسْوَة ويستبدل بهَا حَالا بعد حَال، وَله فِي ذَلِك صَلَاح من جِهَات عديدة مِنْهَا أن يستريح إِذا خلع كسوته إِذا شَاءَ ويلبسها إِذا شَاءَ لَيْسَ كالمضطر إلى حمل كسْوَة.
وَمِنْهَا أنه يتَّخذ لنَفسِهِ ضروبا من الْكسْوَة للصيف وضروبا للشتاء، فَإِن كسْوَة الصَّيف لا تليق بالشتاء، وَكِسْوَة الشتَاء لَا تلِيق بالصيف، فيتخذ لنَفسِهِ فِي كل فصل كسْوَة مُوَافقَة.
وَمِنْهَا أنه يَجْعَلهَا تَابِعَة لشهوته وإرادته.