وَمِنْهَا أنه يتلذذ بأنواع الملابس كَمَا يتلذذ بأنواع المطاعم فَجعلت كسوته متنوعة تَابِعَة لاختياره، كَمَا جعلت مطاعمه كَذَلِك فَهُوَ يكتسي مَا يَشَاء من أنواع الملابس المتخذة من النَّبَات تَارَة كالقطن والكتان، وَمن الْحَيَوَان تَارَة كالوبر وَالصُّوف وَالشعر وَمن الدُّود تَارَة كالحرير والإبريسم، وَمن الْمَعَادِن تَارَة كالذهب وَالْفِضَّة، فَجعلت كسوته متنوعة لتتم لذته وسروره وابتهاجه وزينته بهَا، وَلذَلِك كَانَت كسْوَة أهل الْجنَّة مُنْفَصِلَة عَنْهُم كَمَا هِيَ فِي الدُّنْيَا لَيست مخلوقة من أجسامهم كالحيوان، فَدلَّ على أن ذَلِك أكمل وأجل وأبلغ فِي النِّعْمَة.
وَمِنْهَا إِرَادَة تَمْيِيزه عَن الْحَيَوَان فِي ملبسه كَمَا ميزه عَنهُ فِي مطعمه ومسكنه وَبَيَانه وعقله وفهمه وَمِنْهَا اخْتِلَاف الْكسْوَة واللباس وتباينه بِحَسب تبَاين أحواله وصنائعه وَجَربه وَسلمهُ وظعنه وإقامته وَصِحَّته ومرضه ونومه ويقظته ورفاهيته.
فَلِكُل حَال من هَذِه الأحوال لِبَاس وَكِسْوَة تخصها لَا تلِيق إلا بهَا، فَلم يَجْعَل كسوته فِي هَذِه الأحوال كلهَا وَاحِدَة لَا سَبِيل إلى الاسبتدال بهَا، فَهَذَا من تكريمه وتفضيله على سَائِر الْحَيَوَان.
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا ... (81) }
(فصل)
ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا أن بعد تحيلها صنعة الآدميين وعملهم فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها ونظير هذا قوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ}
فأخبر سبحانه أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة الآدمية.
{يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) }
قال مجاهد:"المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم"