قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا ...(75) .
إلى آخر المثلين، لما نهاهم - جل ذكره وتعالى علاؤه وجده - عن أن يضربوا له الأمثال من أجل جهلهم أخذ هو جل
وتعالى يضرب لهم الأمثال حيث تقف عليه علومهم؛ لأنه هو يعلم وهم لا يعلمون،
فضرب مثلاً بعبد مملوك (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) وهو الكافر الذي لا يقدر على
العمل بطاعة الله، وهو فقير من الإيمان عديم من جميع ضروب الإحسان، ويصلح
أن يكون مثلاً للمعبود من دون الله جل ذكره، ولعبد رزقه الله (رِزْقًا حَسَنًا) يعني:
الهدى والإيمان، والقوة على طاعة اللَّه، والعلم واليقين والرزق والحلال(فَهُوَ يُنْفِقُ
مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)ويصلح أن يكون مثلاً للإله الحق - جلَّ جلالُه - ولا مثل له كما ضرب لنوره
مثلاً بالمصباح، ثم قال: (هَلْ يَسْتَوُونَ) فجاء بلفظ الجمع وإنما
ضرب مثلاً بعبدين يريد وهو أعلم المؤمنين والكافرين، ويمكن أن يكون المراد
بذلك: الآلهة المتخذة من دون الله، وما سموها به من أسماء ووصفوها، هل
يستوون مع من يهدي ويخلق ويرزق ويقدم ويؤخر؟.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" [إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ] اللَّيْلَ"
وَالنَّهَارَ"وفي"
أخرى:" [لا تَغِيضُهَا] ".
أرأيتم ما أنفق منذ خلق السَّمَاوَات والأرض، فإنه لم يغض ما في يده شيئًا؛
لهذا ونحوه قال جل من قائل: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(75) .
ثم ضرب المثل الآخر برجلين أحدهما أبكم عاجز (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ
كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ... (76) . وكل معول فهو كَلٌّ (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ)
إن دعاه عابده لم يستجب له، وإن سأله لم يعطه، وإن استنصره لم ينصره، لا يسمع
ولا يبصر ولا يغني شيئا.
وقرأها عبد الله والأعمش:"أينما يوجَّه لا يأت"بفتح الجيم وبهاء واحدة، فهذا
مثل للصنم والوثن وجميع المعبودات من دون الله، ولما كان هذا المعهود أن يكون