(فصل: قولهم في الزهد)
قال السُّهْرَوَرْدي:
قال الجنيد: الزهد خلوّ الأيدي من الأملاك والقلوب من التتبع.
وسئل الشبلي عن الزهد؟ فقال: لا زهد في الحقيقة، لأنه إما أن يزهد فيما ليس له فليس ذلك بزهد، أو يزهد فيما هو له فكيف يزهد فيه وهو معه وعنده، فليس إلا ظلف النفس وبذل مواساة: يشير إلى الأقسام التي سبقت بها الأقلام، وهذا لو اطرد هدم قاعدة الاجتهاد والكسب، ولكن مقصود الشبلي: أن يقلل الزهد في عين المعتد بالزهد لئلا يغتر به.
قال رسول الله: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُوتِيَ زُهْداً فِي الدُّنْيَا وَمَنْطِقاً، فَاقْرَبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .
وقد سمى الله عز وجل الزاهدين علماء في قصة قارون فقال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} (القصص: الآية 80) قيل هم الزاهدون.
وقال سهل بن عبد الله: للعقل ألف اسم، ولكل اسم منه ألف اسم، وأوّل كل اسم منه ترك الدنيا.
وقيل في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} (السجدة: الآية 24) قيل: عن الدنيا.
وفي الخبر: «العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم» .
وجاء في الأثر: لا تزال «لا إله إلا الله» تدفع عن العباد سخط الله ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم؛ فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى: كذبتم لستم بها صادقين.
وقال سهل: أعمال البر كلها في موازين الزهاد وثواب زهدهم زيادة لهم.
وقيل: من سمي باسم الزهد في الدنيا فقد سمي بألف اسم محمود؛ ومن سمي باسم الرغبة في الدنيا فقد سمي بألف اسم مذموم.
وقال السري: الزهد ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، ويجمع هذا: الحظوظ المالية، والجاهية، وحب المنزل عند الناس، وحب المحمدة والثناء.
وسئل الشبلي عن الزهد فقال: الزهد غفلة، لأن الدنيا لا شيء، والزهد في لا شيء غفلة.