وقال بعضهم: لما رأوا حقارة الدنيا زهدوا في الدنيا لهوانها عندهم، وعندي أن الزهد في الزهد غير هذا، وإنما الزهد في الزهد بالخروج من الاختيار في الزهد، لأنّ الزاهد اختار الزهد وأراده، وإرادته تستند إلى علمه، وعلمه قاصر، فإذا أقيم في مقام ترك الإرادة وانسلخ من اختياره كاشفه الله تعالى بمراده، فيترك الدنيا بمراد الحق لا بمراد نفسه، فيكون زهده بالله تعالى حينئذ. أو يعلم أن مراد الله منه التلبس بشيء من الدنيا، فما يدخل بالله في شيء من الدنيا لا ينقص عليه زهده، فيكون دخوله في الشيء من الدنيا بالله وبإذن منه زهداً في الزهد، والزاهد في الزهد استوى عنده وجود الدنيا وعدمها، إن تركها تركها بالله، وإن أخدها أخذها بالله، وهذا هو الزهد في الزهد: وقد رأينا من العارفين من أقيم في هذا المقام. وفوق هذا مقام آخر في الزهد: وهو لمن يردّ الحق إليه اختياره لسعة علمه وطهارة نفسه في مقام البقاء. فيزهد زهداً ثالثاً ويترك الدنيا بعد أن مكن من ناصيتها وأعيدت عليه موهوبة، ويكون تركه الدنيا في هذا المقام باختياره، واختياره من اختيار الحق؛ فقد يختار تركها حيناً تأسياً بالأنبياء والصالحين، ويرى أن أخذها في مقام الزهد في الزهد رفق أدخل عليه لموضع ضعفه عن درك شأو الأقوياء من الأنبياء والصديقين؛ فيترك الرفق من الحق بالحق للحق، وقد يتناوله باختياره رفقاً بتدبير يسوسه فيه صريح العلم: وهذا مقام التصرف لأقوياء العارفين: زهدوا ثالثاً بالله، كما رغبوا ثانياً بالله، كما زهدوا أوّلاً لله. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...