{يَوْمَ تَأْتِى} منصوب بـ {رحيم} أو ب"اذكر" {كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا} وإنما أضيفت النفس إلى النفس لأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره والنفس الجملة كما هي، فالنفس الأولى هي الجملة، والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كلٌّ يقول: نفسي نفسي.
ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم: {هَؤُلاء أَضَلُّونَا} [الأعراف: 38] {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} [الأحزاب: 67] الآية {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] {وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} تعطى جزاء عملها وافياً {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} في ذلك.
{وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً} أي جعل القرية التي هذه حالها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذراً من مثل عاقبتها {كَانَتْ ءَامِنَةً} من القتل والسبى {مُّطْمَئِنَّةً} لا يزعجها خوف لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا} واسعاً {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} من كل بلد {فَكَفَرَتْ} أهلها {بِأَنْعُمِ الله} جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس {فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} الإذاقة واللباس استعارتان والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، ووجه صحة ذلك أن الإذاقة جارية عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع.