ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) }
وأما الإبهام من غير تفسير فكثير شائع في القرآن الكريم أيضًا، كقول تعالى: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} .
وكذلك ورد قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ، أي للطريقة، أو الحالة، أو الملة التي هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة التي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على محتملات كثيرة.
وهذا كقول القائل:"لو رأيت عليا بين الصفين"، فإنه لو وصفه مهما وصف من نجدة وشجاعة وثبات وإقدام وأطال القول في ذلك لم يكن بمثابة ما يترامى إليه الوهم مع الإبهام، وهذا للعارف برموز هذه الصناعة وأسرارها.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} .
وأبلغ من ذلك قوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} .
فإنه قال في تلك الآية: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} ، فذكر: {الْيَمِّ} ، وهو البحر، فصار الذي غشيهم إنما هو منه خاصة، وقال في هذا الآية: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} ، فأبهم الأمر الذي غشاها به وجعله عاما وذلك أبلغ؛ لأن السامع يذهب وهمه فيه كل مذهب.
{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا ... (23) }
وكذلك ورد قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} ؛ لأن التأفيف أدنى درجة.
وقد تقدم قولي في أول هذا النوع أنه إذا جاءت صفتان يلزم من وجود إحداهما وجود الأخرى أن يكتفى بذكرها دون الأخرى؛ لأن الأخرى تجيء ضمنا وتبعا، وأن يبدأ بها في الذكر، ثم تجيء الأخرى بعدها وعلى هذا، فيقال: أولًا: فلا تنهرهما ولا تقل لهما أف، لكن إذا لم يقل لهما أف امتنع أن ينهرهما.
وقد كان هذا هو المذهب عندي، حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه، وحينئذ عدت عما كنت أراه وأقول به.
{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) }
وقد ورد حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} ، فإنه لم يرد أن الناقة كانت مبصرة، ولم
تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه.
ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة، فوجدت أكثر وقوعه في النداء، وفي المصدر.
أما النداء فكقولهم: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف.
وعليه ورد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ} تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا.
وأما المصدر فكقوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} ، تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا.
وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أي: قوم دون ذلك.
وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها: فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرًا، لمكان استبهامه. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...