[من روائع الأبحاث]
(الإسراء والمعراج .. الإلغاء الأبدي والطي السرمدي لصفحة بني إسرائيل)
للدكتور/ خالد النجار
ظلت النبوات دهورا طويلة وهي وقف على بني إسرائيل، وظل بيت المقدس مهبط الوحي ومشرق أنواره على الأرض وقصبة الوطن المحبب إلى شعب الله المختار، فلما أهدر اليهود كرامة الوحي وأسقطوا أحكام السماء حلت بهم لعنة الله، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد، ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة ومن بلد إلى بلد ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل، وكان الإسراء والمعراج إعلانا عالميا بالإلغاء الأبدي والطي السرمدي لصفحة بني إسرائيل من التفضيل والاصطفاء.
تاريخ أسود ولعنة أبدية:
كم حدثنا التاريخ عن التواءات بني إسرائيل وانحرافاتهم وانحلالاتهم وجهالاتهم، إنها جبلات ثقيلة أخلدت إلى الأرض طويلا حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي ألفت التمرغ فيه وطبيعة نفوس مخلخلة العزيمة ضعيفة الروح ما تكاد تهتدي حتى تضل وما تكاد ترتفع حتى تنحط وما تكاد تمضي في الشعور المستقيم حتى ترتكس وتنتكس .. ذلك لغلظ في الكبد وتصلب عن الحق وقساوة في الحس والشعور.
فأولى محطات وقاحتهم كانت مع الله: فلم يستطع بنو إسرائيل في أي فترة من فترات تاريخهم أن يستقروا على عبادة الله الواحد الأحد الذي دعا له الأنبياء، وكان اتجاههم إلى التجسيم والتعدد والنفعية واضحا في جميع مراحل تاريخهم وتعد كثرة أنبيائهم دليلا على تجدد الشرك فيهم وبالتالي تجدد الحاجة إلى أنبياء يجددون الدعوة للتوحيد وكانت هذه الدعوى قليلة الجدوى على أي حال، ولقد اضطربت الفكرة التي رسمتها الأسفار عن الله (يهوه) فالوصية الثانية من الوصايا العشر تسمو بالله عن الإحاطة والحصر إذ تقول (لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت .. ) [1] ولكن على الرغم من ذلك ترسم أسفار التوراة الخمسة صورة بشرية محضة لله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.