فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 261380 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل)

قال السُّرَّمَرِّي:

فإن قيل: إنما قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء 1] فلم قلتم إنه تعالى أسرى به إلى السماء؟

فالجواب أن يقال: إنه إنما قال: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] لأن ابتداءَ أمر المعراج كان المسرى, والإعراج كان بعد الإسراء وقد أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنهما وهو الصادق المصدوق, والحكمة فيه - والله أعلم - أنه لو أخبر ابتداءاً بعروجه إلى السماء لاشتد إنكارهم وعظم ذلك في قلوبهم ولم يصدقوه في إخباره عن بيت المقدس أيضاً, فلما أخبرهم ببيت المقدس بدءاً وأقام البراهين على صدقه, وأخبرهم من شأنه بما لا يتمكن كثير ممن قد رآه مراراً كثيرةً أن يخبر به, وأخبرهم عن عِيرهم وعِير غيرهم, وأقام البراهين على ذلك, والتزم لهم أنّ عيرهم تخرج عليهم مع طلوع الشمس لم يَبق لتكذيبه وجه, فلما تمكن ذلك في قلوبهم, وبان لهم صدقه, وقامت الحجة عليهم فيه فأخبر بعروجه إلى السماء العليا وسدرة المنتهى حتى دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى وأنه رأى من آيات ربه الكبرى, فلزمهم تصديقه فيما أخبر في ضمن ذلك مما ليس لهم به إلمام ولا تدركه الظنون ولا تحيط به الأوهام؛ وجواب آخر: وهو أنه لو أخبرهم أولاً عن السماءِ لم يكن لهم بشيء من أمرها علم فيخبرهم به استندوا إلى علم ما قد علموه, فأخبرهم أولاً ببيت المقدس الذي قد أحاطوا (من علمه بما أحاطوا) به فوجدوا ما أخبرهم على وفق ما عندهم من ذلك فثبت في قلوبهم, ثم أخبرهم بما لم يحيطوا بعلمه لا نفياً ولا إثباتاً فلم يعظم عليهم تصديقُه فصدقوه؛ وجواب آخر: وهو

أنه لم يذكر السماء لأن الكفار كانوا ينكرون الجميع فأخبرهم بما يمكنه إقامة الدلالة والبرهان في الحال على صدقه وصحة رؤيته, وقد أخبر الله بأمر السماء في آية النجم وأقسم على صدقه بأنه {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 2 - 3] .

وجواب آخر: وهو أن الأمور يتوصل إلى علمها بالأسهل فالأسهل شيئاً فشيئاً, فلما كان الإسراء إلى بيت المقدس أسهل من الإسراء إلى السماء أخبرهم به, فلما استقر عندهم أخبرهم بالمعراج فكان أسهل للقبول والتصديق, والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت