قوله الحق - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...(9) .
يهدي إلى سبل السلام، والصراط المستقيم: صراط الله الذي له ما في السماوات وما في
الأرض، نعم وهو يهدي إلى علم ما قد كان وما هو كائن، هذا لمن اسرشده
واستهداه ولقن عنه، ثم قال - عز من قائل:(وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)وبالضد للذين لا يؤمنون بالآخرة.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ...(12) . ليس عند ربكم ليل
ولا نهار، إنما هو الأفق المبين نور ساطع، وما تحت الأرضين ظلام مطبق، ولما
كان ما هَاهُنَا موضع الوسط أنهى إليه نورًا من ضياء ما هنالك، جعل الشمس عليه
دليلاً سماه: نهارًا، وأصعد مما هو تحت الأرض ظلامًا جعله موضع المحو سماه:
ليلاً، جعله آية على حقيقة الظلام، وكان ما هَاهُنَا أقرب إلى النور، لغلبة النور على
الظلام، فمحا منه موضع الليل، وجعله آية أخرى، وقد كانا معًا آية واحدة،
وصيرها بالتفصيل آيتين وجعل كل واحد منهما [خالفًا] لقرينه، أجراهما معًا
على دوائر محكمة التدوار تقدير من عزيز عليم.
وقد قيل: إن الخطوط التي في القمر هي موضع المحو، فإن كان ذلك عن
وحي فهي حجة قاهرة، وإلا فذلك عن إفاضة حكم المحو.
(فصل)
قال الله - عزَّ من قائل: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5) .
إلى آخر المعنى، فكون الشمس والقمر هنا
نورًا وضياءً آيتان على وجود ضياء الحق المبين ونوره في الجنة، وهما هناك
آيتان على معنى الليل والنهار فيما هَاهُنَا، والمثل الأعلى لله - جلَّ ذكره - في
السماوات والأرض هو التنزيه العلي عن نقائص المحدثات وآفات المكونات، لا
أفول ولا محاق، ولا تحرك ولا انتقال، إنما هو الاحتجاب والتجلي لا يخلف ذلك