الوجود ظلام، ولا ما هو الظلام آية عليه ولا شمس ولا نهار؛ ولا ما هو ذلك
آية عليه.
فجعل - جلَّ جلالُه - الليل والنهار فيما هَاهُنَا آيتين اثنتين دالتين على ما هنالك،
وجعل القمر إلى الليل، وإنما هو ما دام قمرًا وإلا فهو يطلع أول الشهر كالعرجون
القديم، ثم لا يزال يصعد ناشئًا إلى أربع عشرة ليلة بأربع عشرة منزلة، ثُمَّ هو
بعد ينتقص بالمحاق إلى ثمانية وعشرين ليلة، ومثلها منازل، ثم يسرّه ليلة، وربما
أسرَّه ليلتين، فإذا دار الدور فهو شهر إلى تمام اثنتي عشرة دورة فهو العام.
كذلك الشمس تنتقل في محالها من منازل البروج، فمتى طلعت من
مشرقها جارية إلى مغربها، فذلك النهار، ثم ينسلخ النهار من الليل، فإذا
الجو مظلم فإذا أصبح فذلك اليوم، فإذا قطعت الشمس
نازلة إلى أقصى منازل البروج الجنوبية نازلة، وإلى أقصى منازل
البروج الشمالية صاعدة فهي السنة، وسنة الشمس ثلاثمائة يوم وخمسة
وستون يومًا وربع يوم وجزء من مائة وستين جزءًا، وكل هذا بالتقريب،
وعام القمر ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يومًا وأحد عشر جزءًا من ثلاثين
يومًا بالتقريب لقول الله، جلَّ من قائل: (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)
أي: في النهار وفي الليل (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ) بالشمس (وَالْحِسَابَ)
بالقمر (وَكُلَّ شَيْءٍ) أي: مما هنالك (فَصَّلْنَاهُ) مما هنا (تَفْصِيلًا)
فصَّله - جلَّ جلالُه - ليُري آثار قدرته القاهرة وعلمه السابق ومشيئته
العالية وليدل على وجوده الحق ولقائه الحق ورؤيته الحق - جلَّ ذكره
وتعالى جدّه - وليعلم بما بين الآيتين عدد السنين والحساب وأوقات
العبادات، وليدل بذلك على مدلولات كثيرة من موجودات الدنيا والآخرة،
وقد تقدم بعض ذلك.
قوله جلَّ من قائل: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)
الطائر: هو ما استحقه بالقسم من مقتضى الكلمة التامة وهي قوله، جلَّ
قوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء للنار وبعمل أهل النار"
يعملون ..."فلما أوجد كل واحد شملته الكلمة فعمل عمله، وأكل رزقه،"