(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي, وَخَطَبَهَا غَيْرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا, فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ.
فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ قَالَ: إِنِّي لا أَعْلَمُ عَمَلا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ.
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ وَقَفَ عَلَى بَابِ أُمِّهِ فقال: السلام عليك يَا أُمَّاهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كما ربيتيني صَغِيرًا. فَتَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ كَمَا بَرَرَتْنِي كَبِيرًا. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَرَّ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِأُمِّهِمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. أَمَّا عُثْمَانُ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قَدَرْتُ أَتَأَمَّلُ وَجْهَ أُمِّي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَأَمَّا حَارِثَةُ فَكَانَ يُطْعِمُهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يَسْتَفْهِمْهَا كَلامًا قَطُّ تَأْمُرُهُ بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ: مَاذَا قَالَتْ أُمِّي؟
وكان حجر بن عدي بن الأدبر يلتمس فِرَاشَ أُمِّهِ بِيَدِهِ فَيَتَّهِمُ غِلَظَ يَدِهِ, فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِ عَلَى ظَهْرِهِ, فَإِذَا أَمِنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَضْجَعَهَا.