قال - عليه الرحمة:
{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) }
الخُيَلاءُ والتجبُّر، والمدح والتكّبُر - كل ذلك نتائجُ الغيبة عن الذكر، والحجبة عن شهود الحقِّ؛"فإنَّ اللَّهَ إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له"بذلك وَرَدَ الخبر. فأمَّا في حال حضورِ القلبِ واستيلاءِ الذكر وسلطان الشهود. قالقلبُ مُطْرِقٌ، وحُكْمُ الهيبة غالِبٌ. ونعتُ المدحِ وصفةُ الزَّهْوِ وأسبابُ التفرقة - كل ذلك ساقط.
والناسُ - في الخلاص من صفة التكبر - أصنافٌ: فأصحابُ الاعتبار إِذْ عرفوا أنهم مخلوقونَ من نطلفةٍ أمشاج، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم .. تعلو هِمَمُهم عن التضييق والتدنيق، ويَبْعُدُ عن قلوبهم قيامُ أَخْطارٍ للأشياء، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر، وينزع عنهم لباس التجبُّر.
وأمَّا أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناس النَّفْس، وفي معناه قالوا:
إذا ما بدا لي تَعاظَمْتُه ... فأصدر في حال من لم يرد
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) }
إذا سَعِدَتْ الأقدامُ بحضور ساحاتِ الشهود، وعَطِرَتْ الأسرارُ بنسيم القُرْب تجرَّدَتْ الأوقاتُ عن الحجبة، واستولى سلطان الحقيقة، فيحصل التنفِّي من هذه الأوصاف المذمومة.
وقال تعالى لنبيِّه: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ} : بالوحي والإعلام، ولأوليائه تعريف بحكم الإلهام. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 348 - 349}