قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل} الآية.
هذه العبارة في معناها هي على ظاهر ما تفهم العرب، فسمى سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه منعاً، وأن الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، والتقدير: وما منعنا الإرسال إلا التكذيب، وسبب هذه الآية أن قريشاً اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى الله إلى محمد عليه السلام، إن شئت أن أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن الإيمان عاجلتهم العقوبة، وإن شئت استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بل تستأني بهم يا رب"، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستيناء، إذ قد سلفت عادته بمعالجة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا، قال الزجاج: أخبر تعالى أن موعد كفار هذه الأمة الساعة، بقوله {بل الساعة موعدهم} [القمر: 46] ، فهذه الآية تنظر إلى ذلك، ثم ذكر أمر ثمود، احتجاجاً إن قال منهم قائل نحن كنا نؤمن لو جاءتنا آية اقترحناها ولا نكفر بوجه، فذكر الله تعالى ثمود، بمعنى: لا تؤمنون إن تظلموا بالآية كما ظلمت ثمود بالناقة، وقرأ الجمهور:"ثمود"بغير تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون"ثموداً"في كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء بالقرآن"ثمود"في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله {مبصرة} على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال: {آية النهار مبصرة} [الإسراء: 12] أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم"مُبصَرة"بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة"مَبصَرة"بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ومثله قول عنترة: [الكامل] .