(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) }
وقد ظن قوم من غفلة الملحدة وجها لهم أن الجواب عما سئل عنه في هذه الآية لم يحصل وإن الامتناع منه إنما هو لفقد العلم به وإن قوله تعالى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) تبكيت وتقريع لم يقعا موقعهما وإنما هو على سبيل المحاجزة والمدافعة عن الجواب ..
وفي هذه الآية وجوه من التأويل تبطل ما ظنوه وتدل على ما جهلوه ..
أولها: إنه تعالى إنما عدل عن جوابهم لعلمه بأن ذلك أدعى لهم إلى الصلاح في الدين وإن الجواب لو صدر منه إليهم لازدادوا فسادا وعنادا إذ كانوا بسؤالهم متعنتين لا مستفيدين وليس هذا بمنكر لأنا قد نعلم في كثير من الأحوال فيمن يسألنا عن الشيء إن العدول عن جوابه أولى وأصلح في تدبيره ..
وقد قيل إن اليهود قالت لكفار قريش سلوا محمدا عن الروح فأن أجابكم فليس بنبي وإن لم يجبكم فهو نبي فانا نجد في كتبنا ذلك فأمره الله تعالى بالعدول عن ذلك ليكون علما ودلالة على صدقه وتكذيبا لليهود الرادين عليه وهذا جواب أبي علي محمد بن عبد الوهاب الحياني ..
وثانيها: أن القوم إنما سألوه عن الروح وهل هي محدثة مخلوقة أو ليست كذلك فأجابهم بأنها من أمر ربي وهو جوابهم عما سألوه بعينه لأنه لا فرق بين أن يقول في الجواب أنها محدثة مخلوقة وبين قوله أنها من أمر ربي لأنه إنما أراد أنها من فعله وخلقه وسواء على هذا الجواب أن تكون الروح التي سألوا عنها هي التي بها قوام الجسد أو عيسى أو جبرئيل عليهما السلام وقد سمى الله جبرئيل روحا وعيسى أيضا بذلك مسمى في القرآن ..
وثالثها: أنهم سألوه عن الروح الذي هو القرآن وقد سمى الله القرآن روحا في مواضع من الكتاب فإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب موقعه لأنه قال لهم الروح الذي هو القرآن من أمر ربي ومما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ليجعله دلالة له وعلما على صدقه وليس من فعل المخلوقين ولا مما يدخل في إمكانهم وهذا جواب للحسن البصري ويقويه قوله تعالى (بعد هذه الآية(ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك علينا وكيلا) فكأنه تعالى قال إن القرآن من أمري وفعلي ومما أنزلته علما على نبوة رسولي صلى الله عليه وسلم ولو شئت لرفعته وأنزلته وتصرفت فيه كما يتصرف الفاعل فيما يفعله. انتهى انتهى {أمالي المرتضى} ...