الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} بِتَسْلِيطِنَا إِيَّاهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ، وَتْسِخِيرِنَا سَائِرَ الْخَلْقِ لَهُمْ {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ} عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ {وَ} فِي {الْبَحْرِ} فِي الْفُلْكِ الَّتِي سَخَّرْنَاهَا لَهُمْ {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}
يَقُولُ: مِنْ طَيِّبَاتِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، وَهِيَ حَلَالُهَا وَلَذِيذَاتُهَا {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ تَمَكُّنُهُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَخْذُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ بِهَا وَرَفْعُهَا بِهَا إِلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) }
اخْتَلَفَتْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْإِمَامِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ نَبِيُّهُ، وَمَنْ كَانَ يُقْتَدَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَيُأْتَمُّ بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْعُوهُمْ بِكَتْبِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْإِمَامُ: مَا عَمِلَ وَأَمْلَى، فَكُتِبَ عَلَيْهِ، فَمَنْ بُعِثَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ جَعَلَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَرَأَهُ وَاسْتَبْشَرَ، وَلَمْ يُظْلَمْ فَتِيلًا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} وَالْإِمَامُ: مَا أَمْلَى وَعَمِلَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِكِتَابِهِمُ الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَمْرِي وَنَهْيِي