ومنهم: من رزقه الإيمان الجزم به والتصديق.
ومنهم: من أراه طرفًا منه من جهة العبرة ومقايسة الأشباه، والإيمان
بعمله وقلة الفقه عنها يزله عن التحقيق، فهذا يرجى له الصعود إلى ما على
من ذلك، كما يخاف عليه من استصحاب الغفلة وترك التفقه في هذا الشأن.
ومنهم: من كشف الله له ذلك كالأنبياء والرسل - عليهم السلام - قال الله - عز وجل -
في داوود - عليه السَّلام -: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ(18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً
كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) . وقال سُلَيْمَان - عليه السَّلام -:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)وسخرت (لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ
أَصَابَ (36) . والجن والإنس والطير وسلام الحجر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وكذلك الشجر، وحنين الجذع، وكلام الجمل، وإعلام الذراع المسموم له، ونحو
هذا، ولأولياء الله - جلَّ جلالُه - بين هذه وهذه من ذلك درجات، جعلها لهم دلالات على
تكليم يكلمون وإلهام يلهمون، وأمور صادقة يطلعون عليها خارجة عن جريان
العوائد.
(فصل)
فنشأت بحمد الله تعالى عبادات المكلفين، الموصوفين بالعقل ظاهرًا إلى
مشاهدات ظاهرة لإتمام أفعال محدودة، واستعمال النيات، وترتيب الحركات على
سنن معلومة كما بطن بعض هذا، أو جُلّه فيما دون ذلك من العالم كما
تقدم من الترتيب من إظهاره ما بطن من ذلك لبعض دون بعض، وكما يظهر الله
-جلَّ ذكره - هذا المقدار من العلم والمشاهدة بسجود الموجودات وتسبيحها،
وكذلك يظهر ما أبطن عن المعتبرين من ذلك للصديقين، ثم الأنبياء والرسل يظهر
لهم أيضًا ما أبطن عن الصديقين، ثم الملائكة - على جميعهم السلام - هم
المشاهدون ذلك، الباعثون عليه، المسخرون من الله - جلَّ ذكره - لإتمام ذلك،
ووجوده من الموجودات.
(وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ