{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) }
فسبحان من ألبسه خلع الْكَرَامَة كلهَا من الْعقل وَالْعلم وَالْبَيَان والنطق والشكل وَالصُّورَة الْحَسَنَة والهيئة الشَّرِيفَة وَالْقد المعتدل واكتساب الْعُلُوم بالاستدلال والفكر واقتناص الأخلاق الشَّرِيفَة الفاضلة من الْبر وَالطَّاعَة والانقياد فكم بَين حَاله وَهُوَ نُطْفَة فِي دَاخل الرَّحِم مستودع هُنَا وَبَين حَاله وَالْملك يدْخل عَلَيْهِ فِي جنَّات عدن {فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ} فالدنيا قَرْيَة وَالْمُؤمن رئيسها وَالْكل مَشْغُول بِهِ ساع فِي مَصَالِحه وَالْكل قد اقيم فِي خدمته وحوائجه فالملائكة الَّذين هم حَملَة عرش الرَّحْمَن وَمن حوله يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَالْمَلَائِكَة الموكلون بِهِ يَحْفَظُونَهُ والموكلون بالقطر والنبات يسعون فِي رزقه ويعملون فِيهِ والأفلاك سخرت منقادة دَائِرَة بِمَا فِيهِ مَصَالِحه وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات جاريات بِحِسَاب أزمنته وأوقاته وَإِصْلَاح رواتب أقواته والعالم الجوي مسخر لَهُ برياحه وهوائه وسحابه وطيره وَمَا اودع فِيهِ والعالم السفلي كُله مسخر لَهُ مَخْلُوق لمصالحه أرضه وجباله وبحاره وأنهاره وأشجاره وثماره ونباته وحيوأنه وكل مَا فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {الله الَّذِي سخر لكم الْبَحْر لتجري الْفلك فِيهِ بأَمْره} إلى قَوْله {يتفكرون}
وَقَالَ تَعَالَى {الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات والأرض وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم} إلى قَوْله {كفار}
فالسائر فِي معرفَة آلَاء الله وَتَأمل حكمته وبديع صِفَاته أطول باعا وَأَمْلَأُ صواعا من اللصيق بمكانه الْمُقِيم فِي بلد عَادَته وطبعه رَاضِيا بعيش بني جنسه لَا يرضى لنَفسِهِ إِلَّا أن يكون وَاحِدًا مِنْهُم يَقُول لي أسوة بهم
وَهل أنا إلا من ربيعَة أوْ مُضر، وَلَيْسَت نفائس البضائع إلا لمن امتطى غارب الاغتراب، وطوف فِي الآفاق حَتَّى رضي من الْغَنِيمَة بالإياب، فاستلان مَا استوعره البطالون، وَأنس بِمَا استوحش مِنْهُ الجاهلون.
{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) }