[من روائع الأبحاث]
(لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)
للأستاذ محمد إسماعيل عتوك
قال الله تعالى:"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء:88)
أولاً - هذا خطاب من الله جل وعلا، يأمر فيه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر كفار مكة، بعجزهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن، وقد عمَّ بهذا الخبر، المؤكَّد بالقسم، جميع الخلق: إنسهم وجنهم، معجزًا لهم، قاطعًا بعجزهم مجتمعين عن الإتيان بمثله إلى يوم القيامة، ولو تظاهروا عليه. وهو من أعظم الدلائل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام في أول الأمر، عند كل من سمع هذا الكلام من المشركين وغيرهم من الكفار، وعلم أنه من القرآن، الذي أمِر ببلاغه إلى جميع الخلق، وهو وحده كافٍ في العلم بأن هذا القرآن العظيم خارقٌ، يُعجِز الثقلين عن الإتيان بمثله بحيلة، وبغير حيلة.
وروي في سبب نزول هذه الآية: أن جماعة من قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنّا نحن نقدر على المجيء بمثل هذا، فنزلت ردًّا عليهم.
وافتتاح هذا الخطاب بصيغة الأمر"قُلْ"للاهتمام به، وهو تنويهٌ بشرف هذا القرآن العظيم، وامتنانٌ على الذين آمنوا به؛ إذ كان لهم شفاء ورحمة، وإثباتُ عجز الذين أعرضوا عنه من الكفار والمشركين والملحدين عن الإتيان بمثله.
واللام في قوله تعالى:"لَئِنِ"هي الموطِّئة للقسم، دخلت على الشرط. والمعنى: قل: والله!:"اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ"
ومعنى اجتماع الإنس والجن: اتفاقهم، واتحاد آرائهم. أي: لو تواردت عقولهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يؤتون بمثله، ولو تظاهروا على ذلك.
وقدم سبحانه الإنس على الجن؛ لأنهم هم المعنيون بهذا الخطاب؛ ولأنهم كانوا يزعمون أن القرآن الكريم تنزلت به الشياطين على محمد صلى الله عليه وسلم، فردَّ عليهم سبحانه وتعالى بقوله: