قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى}
يعني الرسل والكتب من عند الله بالدعاء إليه.
{إِلاَّ أَن قالوا} جهلاً منهم.
{أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} أي الله أجل من أن يكون رسوله من البشر.
فبيّن الله تعالى فرط عنادهم لأنهم قالوا: أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا عن المعجزة.
ف"أنْ"الأولى في محل نصب بإسقاط حرف الخفض.
و"أن"الثانية في محل رفع ب"منع"أي وما منع الناس من أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا قولهم أبعث الله بشراً رسولاً.
{قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) }
أعلم الله تعالى أن المَلك إنما يُرسل إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل ملكاً إلى الآدميّين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلقَ فيهم ما يقدرون به؛ ليكون ذلك آية لهم ومعجزة.
وقد تقدّم في"الأنعام"نظير هذه الآية؛ وهو قوله: {وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الأنعام: 8 - 9] وقد تقدّم الكلام فيه.
{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) }
يروى أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله: {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 93] : فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزل: {قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 10 صـ}