وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)
يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) ، ثم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه، وقوله: بمثله، أي: به، كقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، أي: ليس كهو شيء؛ إذ لا مثل له؛ فدل أن قوله: (لَا يَأتوُنَ بِمِثلِهِ) ، أي: لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه؛ فلئلا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن نظروا فيه وعرفوا مثاله - أشد وأبعد؛ إذ نظم الشيء وتصوره بعدما عاينوا الأشياء والصور أهون وأيسر من تصويرها ونظمها قبل أن يعاينوها ويشاهدوها.
وجائز أن يستدل بهذه الآية على أنه كان مبعوثًا إلى الإنس والجن جميعًا حيث قال: (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) ؛ لأنه لو لم يكن مبعوثًا إلى الفريقين جميعًا لم يكن لذكرهما معنى وفائدة.
وفيه دلالة: أن في الجن من لسانه لسان العرب؛ إذ لو لم يكن كذلك لم يكن لذكر أُولَئِكَ معنى، ثم جائز أن يكون قوله: (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) ، أي: الإنس مع الجن، أو هَؤُلَاءِ مع هَؤُلَاءِ، (عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) .
وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه سحر وإنما يعلمه بشر، وقولهم: (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى) ، وقولهم: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ، ومثله، يقول: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين، من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه.