(فصل: مَرَاتِب الْعَمَل لله)
قال الحارث المحاسبي:
وَقَالَ النَّاس يعْملُونَ على أربعة وُجُوه:
فأشرفها وأفضلها قوم عمِلُوا لله على التَّعْظِيم لَهُ فحسنت أعمالهم وكرمت فعالهم على وَجه عَظمته فِي صُدُورهمْ وَعظم قدره فِي قُلُوبهم فَلم يكن شَيْء أحب إليهم وَلَا ألذ عِنْدهم من شَيْء يَتَقَرَّبُون بِهِ إليه.
وَآخَرُونَ عمِلُوا على وَجه الرَّغْبَة والحرص على جواره فَلم تكن لَهُم همة إلا ترك مَا نَهَاهُم عَنهُ لعَظيم ثَوَابه وخافوا فَوَات خير مَا عِنْده من عَظِيم مَا أعد من الثَّوَاب لأهل ولَايَته.
وَآخَرُونَ عمِلُوا مَخَافَة مِنْهُ وَمن عِقَابه فَكَانَت همتهم فِي الرهبة من الْعقَاب قد حَالَتْ بَينهم وَبَين الرَّغْبَة فِي الثَّوَاب وَكَانَت الأعمال مِنْهُم على وَجه الْفِرَار من الْعقَاب وَلَيْسَ يخْطر الثَّوَاب على قُلُوبهم لعظم الْعقَاب فِي صُدُورهمْ وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم إن بلغتنا أعمالنا إلى الْخَلَاص من الْعقَاب لقد ظفرنا بالفوز الْعَظِيم
فَخرجت الرَّغْبَة من قُلُوبهم من كَثْرَة الرهبة فَمَا تخطر الْجنَّة بقلوبهم من عظم الْعقَاب فِي صُدُورهمْ.
وَآخَرُونَ عمِلُوا على وَجه الْحيَاء من الله سُبْحَانَهُ استحيوه فِي ليلهم ونهارهم إذا غلقت الأبواب وأرخيت الستور عَلَيْهِم لما أيقنوه أنه هُوَ الَّذِي يَلِي عرضهمْ ومساءلتهم
فاستحيوا من كل قَبِيح يَعْمَلُونَهُ فِي سرائرهم حَتَّى كَأَنَّهُمْ ينظرُونَ إليه، وَلما استيقنوا بنظره إليهم قَالُوا سَوَاء علينا نظر إلينا أوْ نَظرنَا إليه وأيقنوا أنه أقرب إليهم من حَبل الوريد
فَلَمَّا أيقنوا بذلك حَال يقينهم بَينهم وَبَين مَثَاقِيل الذَّر وموازين الْخَرْدَل مِمَّا يكره المطلع عَلَيْهِم وَكَانَ الْحَائِل بَينهم وَبَين اعْتِقَاد الْقلب على شَيْء مِمَّا يكره سيدهم معرفتهم بِأَنَّهُ مطلع فِي ضمائرهم وَينظر إليهم فِي كل حَرَكَة تكون مِنْهُم وكل سُكُون وكل خطرة وكل طرفَة عين وكل همة وكل إرادة وكل نِيَّة وكل محبَّة وكل شَهْوَة.
وأما نَحن فَلم يهيجنا على عَملنَا التَّعْظِيم لَهُ وَلم تهيجنا رغبتنا فِي عَظِيم الثَّوَاب فنتقرب بِحسن الفعال وَلم تدعنا الرهبة من الْعقَاب إلى ترك مساوئ الأعمال وَلم يحل الْحيَاء مِنْهُ بَيْننَا وَبَين قَبِيح الأعمال فِيمَا بَيْننَا وَبَينه.
فنسأل الله المنان الَّذِي من عَلَيْهِم أن يمن علينا بِمَا من بِهِ عَلَيْهِم وأن يهب لنا مثل فعالهم فَإِنَّهُ فعال لما يُرِيد
وَقَالَ الصدْق: عِنْد العَبْد على قدر إرادته وَالشُّكْر عِنْده على قدر موقع النِّعْمَة مِنْهُ. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...