59 -قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ}
قال ابن عباس وقتادة والمفسرون:"سأل أهل مكة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن يُنَحِّي الجبال عنهم فيزْدرعوا فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بهم، قال: لا بل أستأن بهم، فأنزل الله هذه الآية".
قال أبو إسحاق: (أن) الأولى نصب والثانية رفع، المعنى: ما منعنا الإرسالَ إلا تكذيبُ الأولين، والتأويل: أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها، وحقيقة المعنى: إنّا لم نرسل بالآيات؛ لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب مَنْ قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة.
فإن قيل: ما معنى قوله: {وَمَا مَنَعَنَا} والله تعالى لا يجوز أن يكون ممنوعًا عن شيء؟! قلنا: معناه هاهنا المبالغة في أنه لا يفعل ذلك، فكأنه قد مُنع منه؛ وذلك أن الإرادة الأزلية قد سبقت بتدبير الأمور وإمضائها؛ لا يؤخرُ منها مَقَدّم ولا يُقَدمُ مؤخّر، فإذا منعت الإرادة والمشيئة أمرًا جاز إطلاق لفظ المنع على الوجه الذي ذكرنا، والباء في قوله: {بِالْآيَاتِ} زيادة، والمعنى: أن نرسل الآيات، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: {إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} فأهلكناهم، قال المفسرون: وسنة الله في الأمم إذا سألوا الآيات فأتتهم ثم لم يؤمنوا أن يعذبهم ولا يمهلهم.
وقوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} قال ابن عباس: يريد كانت لهم عيانًا، وقال قتادة؛: بينة، وقال مجاهد: آية مبصرة.
قال الأخفش: المُبْصِرةُ: البَيِّنَة، كما تقول: المُوضِحَة والمُبَيِّنَة، فعلى هذا أبصر واقع بمعنى بصر.
وقال الفراء: جعل الفعل لها، ومعنى {مُبْصِرَةً} : مضيئة، كما قال تعالى: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] ، أي: مضيئًا.