قوله سبحانه: {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ}
يعني القرآن نَزَلَ بالمصالحِ والسَّدادِ للناس، و {بالحق نَزَلَ} يريد: بالحقِّ في أوامره ونواهيه وأخباره، وقرأ جمهور الناس: «فَرْقَنَاهُ» بتخفيف الراء، ومعناه: بيَّنَّاه وأوضَحْناه وجَعَلْناه فرقاناً، وقرأ جماعةٌ خارجَ السبْعِ: «فَرَّقْنَاهُ» بتشديد الراء، أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء، لا جملةً واحدة، ويتناسق هذا المعنى مع قوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ} ، وتأوّلت فرقةٌ قوله: {على مُكْثٍ} أي: على ترسُّل في التلاوةِ، وترتُّل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جُرَيْج وابن زيد، والتأويلُ الآخر، أي على مُكْثٍ وتطاوُلٍ في المدة شيئاً بعد شيء.
وقوله سبحانه: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ} فيه تحقيرٌ للكفَّار، وضَرْب من التوعُّد، و {الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ} : قالت فرقة: هم مؤمنو أهْلِ الكتابِ، و «الأذقان» : أسافل الوجوه حيث يجتمع اللَّحْيَانَ.
قال الواحِدِيُّ: {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا} أي: بإِنزال القرآن، وبعَث محمَّد {لَمَفْعُولاً} . انتهى.
وقوله سبحانه: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} هذه مبالغةٌ في صفتهم، ومَدْحٌ لهم وحضٌّ لكل من توسَّم بالعلم، وحصَّلَ منه شيئاً أنْ يجري إلى هذه الرتبة النفيسَةِ وحكَى الطبريُّ عن التميميِّ؛ أن من أوتي من العلْمِ ما لم يُبْكِهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أوتي عْلماً ينفعه؛ لأن اللَّه سبحانه نعت العلماء، ثم تَلاَ هذه الآية كلَّها.