(رسالة: في إعجاز القرآن)
قال الرماني:
باب الإيجاز
الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى , وإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة ويمكن أن يعبر عنه بألفاظ قليلة , فالألفاظ القليلة إيجاز. والإيجاز على وجهين: حذف , وقصر , فالحذف إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام , والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف. فمن الحذف {واسأل القرية} ومنه {ولكن البر من اتقى} , ومنه {براءة من الله} , ومنه {طاعة وقول معروف} .
ومنه حذف الأجوبة , وهو أبلغ من الذكر , وما جاء منه في القرآن كثير كقوله جل ثناؤه: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} كأنه قيل: لكان هذا القرآن. ومنه {وسيق الذين اتقول ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} [سورة الزمر] كأنه قيل: حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه
التنغيص والتكدير , وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب , ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان , فحذف الجواب في قولك: لو رأيت عليًا بين الصفين , أبلغ من الذكر لما بيناه.
وأما الإيجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف وإن كان الحذف غامضًا , للحاجة إلى العلم بالمواضع التي يصلح فيها من المواضع التي لا يصلح , فمن ذلك: {ولكم في القصاص حياة} [سورة البقرة] , ومنه {يحسبون كل صيحة عليهم} , ومنه {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها}
ومنه {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} , ومنه {إنما بغيكم على أنفسكم} ومنه: {ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله}
وهذا الضرب من الإيجاز في القرآن كثير , وقد استحسن الناس من الإيجاز قولهم: القتل أنفى للقتل , وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والإيجاز , وذلك يظهر من أربعة أوجه: إنه أكثر في الفائدة , وأوجز في العبارة وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة , وأحسن تأليفًا بالحروف المتلائمة.
أما الكثرة في الفائدة فيه ففيه كل ما في قولهم: القتل أنفى للقتل , وزيادة معان حسنة , منها إبانة العدل لذكره القصاص , ومنها