فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 268286 من 466147

(رسالة أخرى: في إعجاز القرآن)

قال الخطابي:

القول في بيان إعجاز القرآن

قال أبو سليمان: قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديمًا وحديثًا , وذهبوا فيه كل مذهب من القول , وما وجدناهم بعد صدروا عن رِي , وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن , ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته. فأما أن يكون قد يقبت في النفوس نقبة بكونه معجزًا للخلق ممتنعًا عليهم الإتيانُ بمثله على حال فلا موضع لها , والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر , من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه. وقد بقى صلى الله عليه وسلم يطالبهم به مدة عشرين سنة , مظهرًا لهم النكير , زاريًا على أديانهم , مسفهًا آراءَهم وأحلامهم , حتى نبذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس , وأُريقت المهج, وقُطعت الأَرحام , وذهبت الأموال.

ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة.

ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة , ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول إلى الحزن الوعر من الفعل , وهذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذولب. وقد كان قومه قريش خاصة موصوفين برزانة الأَحلام , ووفارة العقول والألباب. وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلقون. وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد فقال سبحانه: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بل هُمْ قومٌ خَصِمون} وقال سبحانه: {وتُنذِرَ بِه قوما لُدَّا} . فكيف كان يجوز - على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة - أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه , وأن يضربوا صفحًا , ولا يحوزوا الفلح والظفر فيه لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه. ومعلوم أن رجلا عاقلا لو عطش عطشًا شديدا خاف منه الهلاك على نفسه وبحضرته ماء معرض للشرب فلم يشربه حتى هلك عطشَا [لحكمنا] أنه عاجز عن شربه غير قادر عليه. وهذا بين واضح لا يُشكل على عاقل.

قلت: وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها دلالة وأيسرها مؤونة. وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت