"وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ" (الشعراء: 210 - 212)
وكانوا قبل نزول القرآن يسترقون السمع، فيلقون من الجزاء ما يلقون، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله:
"وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ *وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ *إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ" (الحجر: 16 - 18)
وحكي عنهم قولهم:
"وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا *وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا" (الجن: 8 - 9)
ثم عزلوا بعد ذلك عن السمع كما نصَّ على ذلك قوله تعالى:
"إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ" (الشعراء: 212)
وقوله تعالى:"لَا يَأْتُونَ بمثله"جوابٌ للقسم، مغنٍ عن جواب الشرط. وقد جاء منفيًا بـ"لَا"؛ كما في قوله تعالى:
"لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ" (الحشر: 12)
ومن حق هذا الجواب أن يكون منفيًّا بـ"مَا"، التي يحسُن معها دخول اللام عليه، فيقال: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لما أتوا؛ كما في قال ابن مالك الأرْحَبي في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم:
لعَمْري لئن مات النبي محمد **لما مات يا ابن القيل رب محمد
أو يؤتَ بـ"مَا"دون اللام؛ كما قال تعالى في آية أخرى:
"لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ" (المائدة: 28)
هذا وجه الكلام؛ ولكنْ عُدِلَ عنه إلى قوله تعالى:"لَا يَأْتُونَ"؛ لأن"مَا"تختص بنفي الحال، ولا تدل على نفي الجنس إلا بوجود قرينة لفظية، وهي دخول"مِنْ"على منفيِّها؛ كما في قوله تعالى:"مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ" (المائدة: 19)
"وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا" (الأنعام: 59)