[من روائع الأبحاث والأسئلة والمواعظ]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
سُؤال: مَا الْحِكْمَة فِي افْتِتَاح آيَة الْإِسْرَاء بِلَفْظ سُبْحَانَ؟
الْجَواب إِن لَفْظَة (سُبْحَانَ) تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الْأَمر العجيب فافتتحت بهَا آيَة الْإِسْرَاء لما كَانَ فِيهِ من الْأَعَاجِيب.
الْجَواب أن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قيل فِيهِ إِنَّه الله وَابْن الله للكرامة الَّتِي أكْرمه الله بهَا وَهِي دون كَرَامَة الْمِعْرَاج، وَكَذَلِكَ قَالَت الْيَهُود فِي الْعَزِير أَنه ابْن الله لأيسر كَرَامَة فَلَمَّا أكْرم الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهو كرامة بَالِغَة حصل لَهُ فِيهَا الدنو من ربه والقرب والرؤية الَّتِي لم يبلغهَا غَيره فوصفه بالعبودية فِي هَذَا المقام حَتَّى لَا تغلو فِيهِ أمته غلو النَّصْرَانِيَّة واليهودية، وأحوج مَا يكون العَبْد إلى التَّوَاضُع لِعَظَمَة ربه أقرب مَا يكون من معارج قربه فأخوف مَا يكون العَبْد يَوْمًا من الإبعاد أقرب مَا يكون.
الْجَواب أن اللَّيْل أفرغ للقلب وَأجْمع للهمم وأهيأ للوصل، وأنظم للشمل ظلمَة اللَّيْل للتواصل أهنى من ضِيَاء النَّهَار عِنْد الْمُحب وصلهم سرهم وَمَا أحوج السِّرّ إِلَى ستره بسخف الْحجب.
الْجَواب لَهُ وَجْهَيْن:
الْوَجْه الأول أَن الْآيَات هِيَ الْأَعَاجِيب وَأكْثر أعاجيب الْمِعْرَاج كَانَت من المرئيات لَا المسموعات كسدرة الْمُنْتَهى وفراش الذَّهَب والنهرين البطنين والظاهرين وَغير ذَلِك من عوالم الملكوت.
الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمِعْرَاج كَانَ فِيهِ رُؤْيَة وَجه الله تَعَالَى وَهِي أخص فَوَائده.
قَالَ (لنريه) وَلم يقل لنسمعه إِشَارَة إِلَى أخص فَوَائِد لَيْلَة الْإِسْرَاء لِأَنَّهُ أرى فِيهَا وأسمع لَكِن كَانَ النّظر إِلَى الله سُبْحَانَهُ أخص من قسم المرئيات دون المسموعات، فرجح جَانب المنظور بذلك فخصص بِالذكر لذَلِك.
الْجَواب كلما عظم الْأَمر اسْتحق السّتْر كَمَا قَالَ بَعضهم: