ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
{إن القرآن يهدي للتي هي أقوم}
فـ {التي} صفة موصوف محذوف لا تعلم حقيقته أهي الطريقة، أو الحالة، أو الملة، أو الجنة؟، إلا أن المعنى مفهوم من حيث الجملة، إذ معناه: يهدي إلى الخير والرشاد، كما قال في سورة النمل: {وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} .
{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}
فمثل البخل بغل اليد إلى العنق وكنى به عنه؛ لعدم تمكن البخيل من بسط اليد بالعطاء كالمغلول، ولقبح صورة الغل ونفرة النفوس منه، وكونه مؤلما للمغلول مبالغة في تنفيره عنه، وتنبيه على أن في البخل ضررًا وألمًا، كما للغل.
{عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}
قيل: هو الشفاعة، وقيل: الوسيلة، وقيل: يجلسه معه على العرش، وقيل غير ذلك، إلى اثني عشر قولاً، واللفظ يحتملها، وإرادتها جائزة، واجتماعها ممكن، إذ لا مانع من أن الله تعالى يقبل شفاعته حيث يشفع، ويعطيه الوسيلة وهي منزلة في أعلى منازل الجنة، ولهذا قال: إنها لا تنبغي إلا لرجل واحد من بني آدم، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة، ويجلسه معه على العرش على أصل أهل السنة فيه، وأنه سرير جوهري، ولا عبرة بما يقوله المبتدعة من لزوم التجسيم، إذ لا صيور له عند التحقيق، وقد حكي عن محمد بن ساقلا أنه قال: لو حلف حالف بالطلاق أن الله تعالى يُجلس محمدًا صلى الله عليه وسلم معه على العرش، لما حنثته.
واعلم أن هذا القول منه، ليس لأن هذا الإجلاس مقطوع به، بل لكونه ممكنا جائز الوقوع والإرادة من اللفظ، وإنما المقطوع به المقام المحمود في الجملة، أما خصوص هذا الإجلاس أو غيره من الأقوال سوى ما تواترت به السنة، أو استفاضت من الشفاعة فلا، وإنما لم يحنثه أبو إسحاق لما ذكرناه من الإمكان، ولكون صحة النكاح وثبوته متيقنًا، فلا يحكم بدفعه بأمر محتمل، وإن لم تمكن إرادة تلك الأقوال جميعها من اللفظ، لدليل دل على عدم إمكانها منه، لم يحمل إلا على ما أمكن إرادته منها منه والله أعلم. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...