وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) كيف يصحّ قطع هذه المسافة في هذه الأوقات القصيرة وما فائدة ذلك ويصحّ منه تعالى أن يريه الآيات من دون ذلك وان كان المراد أنه عرج به إلى السماء كما روي في الخبر فذلك ممكن من المدينة. وجوابنا ان ذلك من معجزاته صلّى الله عليه وسلم ولا ننكر في يسير من الأوقات ذلك كما جعل الله تعالى معجزة سليمان الريح بقوله تعالى (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) وإذا كان الصلاح أن يريه الآيات التي ببيت المقدس فلا بد من أن يسري به إلى هناك. وما روي في خبر المعراج ففيه ما يجوز أن يصحّ وفيه ما لا يصحّ كما ذكر فيه أنه تعالى في مكانه وأنه صلّى الله عليه وسلم كان يذهب إليه ويعود. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقوله تعالى من بعد في كتاب موسى (وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) يدل على ان الهدى هو الدلالة والبيان لا نفس الإيمان كما يقوله المجبرة. وقوله تعالى من بعد (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) فالمراد به الاعلام كقوله تعالى (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ) ولذلك أضاف الفساد إليهم بقوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) وقوله تعالى (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) يدل على قدرتهم على الأمرين وأنهم إذا أساءوا فمن جهتهم وبيّن تعالى بقوله (إِنَّ)