ومن لطائف ونكات تفسير الطبري:
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ: أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَلَمْ يَقُلْ: أَلْزَمْنَاهُ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ الْعُنُقَ هُوَ مَوْضِعُ السِّمَاتِ، وَمَوْضِعُ الْقَلَائِدِ وَالْأَطْوِقَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُزَيِّنُ أَوْ يَشِينُ، فَجَرَى كَلَامُ الْعَرَبِ بِنِسْبَةِ الْأَشْيَاءِ اللَّازِمَةِ بَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَضَافُوا الْأَشْيَاءَ اللَّازِمَةَ سَائِرَ الْأَبْدَانِ إِلَى الْأَعْنَاقِ، كَمَا أَضَافُوا جِنَايَاتِ أَعْضَاءِ الْأَبْدَانِ إِلَى الْيَدِ، فَقَالُوا: ذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي جَرَّ عَلَيْهِ لِسَانُهُ أَوْ فَرْجُهُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} .
{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ وَصَفَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا، وَقَدْ قَالَ {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظُنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ، وَقَالَ: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ، يَسْمَعُونَ وَيَنْطِقُونَ؟
قِيلَ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعَمَى وَالْبَكَمِ وَالصَّمَمِ يَكُونُ صِفَتَهُمْ فِي حَالِ حَشْرِهِمْ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُجْعَلُ لَهُمْ أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ وَمَنْطِقٌ فِي أَحْوَالٍ أُخَرَ غَيْرِ حَالِ الْحَشْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء: 97] ثُمَّ قَالَ: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا} [الكهف: 53] وَقَالَ: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان: 12] وَقَالَ {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13]
أَمَا قَوْلُهُ: {عُمْيًا} [الإسراء: 97] فَلَا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ. وَقَوْلُهُ: {بُكْمًا} [الإسراء: 97] لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ. وَقَوْلُهُ: {صُمًّا} [الفرقان: 73] لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ.
{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}
يَقُولُ: كُلَّمَا أَحْرَقَتْهُمْ تُسَعَّرُ بِهِمْ حَطَبًا، فَإِذَا أَحْرَقَتْهُمْ فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُمْ شَيْئًا صَارَتْ جَمْرًا تَتَوَهَّجُ، فَذَلِكَ خَبْوُهَا، فَإِذَا بُدِّلُوا خَلْقًا جَدِيدًا عَاوَدَتْهُمْ. انتهى انتهى {تفسير الطبري} ...