ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
{سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}
قوله: {بِعَبْدِهِ} لم يقل بنبيه ولا برسوله، إشارة إلى أن وصف العبودية، أخص الأوصاف وأشرفها، لأنه إذا صحت نسبة العبد لربه، بحيث لا يشرك به في عبادته له أحداً، فقد فاز وسعد، ولذا ذكره الله في المقامات الشريفة كما هنا، وفي مقام الوحي قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] وفي مقام الدعوة قال تعالى، {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} الخ، ولذا قال القاضي عياض:
ومما زادني شرفاً وتيهاً ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبياً
وهناك وجه آخر، وهو خلاف ضلال أمته به، كما ضلت أمة عيسى به حيث قالوا: ابن الله، وقوله: {بِعَبْدِهِ} أي بروحه وجسمه على الصحيح، خلافاً لمن قال: إن الإسراء بالروح فقط، ونقل عن عائشة وهو مردود، بأنها كانت حديثه السن إذ ذاك، ولم تكن في عصمته صلى الله عليه وسلم.
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}
قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
أي لا تحمل نفس مذنبة، بل ولا غير مذنبة، ذنوب نفس أخرى.
«إن قلت» : ورد في الحديث"من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"
فمقتضاه أنه يحمل وزره فيكون منافياً لهذه الآية؟
أجيب: بأن المراد بالوزر الذي يحمله في الحديث وزر التسبب، ولا شك أن التسبب من فعل الشخص، ومع ذلك فلا ينقص من وزر الفاعل شيء، فالمتسبب الفاعل يعاقب على فعله وتسببه، والفاعل بدون تسبب يعاقب على فعله فقط.
قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} أي ولا مثيبين على الأعمال، لأن شرط صحة العبادات ووجوبها بلوغ الدعوة، فمن لم تبلغه الدعوة، لا تجب عليه عبادة، ولا تصح منه، لو فعلها فلا يثاب عليها، وعموم هذه الآية، يدل على أن أهل الفترة جميعاً ناجون بفضل الله، ولو غيروا وبدلوا، وما ورد من تخصيص بعض أفراد، كحاتم الطائي وامرئ القيس بدخولهم النار، فهي أحاديث آحاد لا تعارض القطعي.
{وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}