[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْإِسْرَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ اللَّيْلِ؟
قُلْنَا: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (لَيْلًا) بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ تَقْلِيلَ مُدَّةِ الْإِسْرَاءِ وَأَنَّهُ أَسْرَى بِهِ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلَى مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ.
فَإِنْ قَالُوا: قَوْلُهُ: (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَا أَرَاهُ إِلَّا بَعْضَ الْآيَاتِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ (مِنْ) تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، وَقَالَ فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الْأَنْعَامِ: 75] فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِعْرَاجُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلَ مِنْ مِعْرَاجِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم؟
قلنا: الذي رآه إبراهيم ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ، وَالَّذِي رَآهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ آيَاتِ اللَّهِ أَفْضَلُ.
(ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا(3)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا) مَا وَجْهُ ملاءمته لِمَا قَبْلَهُ؟
قُلْنَا: التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا وَلَا تُشْرِكُوا بِي، لِأَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَبْدُ شَكُورًا لَوْ كَانَ مُوَحِّدًا لَا يَرَى حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ إِلَّا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ ذُرِّيَّةُ قَوْمِهِ فَاقْتَدُوا بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا أَنَّ آباءكم اقتدوا به والله أعلم.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا)