{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] إلى قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل: 4] الإشارة فيه أن قوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} كلام قديم كان الله في الأزل به متكلماً، والمخاطبون به في الله محبوسين وهم طبقات ثلاث: منهم الغافلون والعاقلون والعاشقون.
فكان الخطاب مع الغافلين: بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الطاعات والعبادات والأعمال الصالحات التي تبلغهم إلى الجنة ونعيمها الباقية وهم أرباب العقول.
والخطاب مع العاشقين: يوصل رب الأرباب إذا كانوا مشتاقين إلى مشاهدة جمال ذي الجلال. فتستعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل العقود وطلب المقصود فكلم الله تعالى في الأزل بقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} أي: سيأتي أمر الله للخروج من العدم لإصابة ما كتب لكل طبقة منكم في القسمة الأزلية {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فإنه لا يفوتكم يدل عليه قوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] أي: في العدم وهو يسمع خفيات أسراركم ويبصر خبايا سرائركم المعدومة {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: هو منزه في ذاته ومتعالْ في صفاته أن يكون له شريك يعمل عمله وسببه يكون بدل.
{يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2] أي: بالوحي بما يحيي القلوب من مواهب الربانية {مِنْ أَمْرِهِ} أي: من أمر الله وأمره على وجوه:
منها: ما يرد على الجوارح بتكاليف الشريعة.
ومنها: ما يرد على النفوس لتزكيتها بالطريقة.
ومنها: ما يرد على القلوب لتصفيتها بالإشارات.
ومنها: ما يرد على الأسرار بالمراقبة للمشاهدات.
ومنها: ما يرد على الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات.