ومن لطائف ونكات تأويل مشكل القرآن للدينوري
(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما ...(23)
أي لا تستثقل شيئا من أمرهما، وتضق به صدرا، ولا تغلظ لهما.
والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أفّ له. وأصل هذا نفخك للشيء يسقط عليك من تراب أو رماد وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة الشيء عنه لتقعد فيه. فقيل لكل مستثقل: أفّ لك، ولذلك تحرّك بالكسر للحكاية، كما يقولون: غاق غاق، إذا حكوا صوت الغراب.
والوجه أن يسكّن هذا، إلا أنه يحرّك لاجتماع الساكنين، فربما نوّن، وربما لم ينوّن، وربما حرّك إلى غير الكسر أيضا.
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ...(85)
الرّوح والرّيح والرّوح: من أصل واحد اكتنفته معان تقاربت، فبني لكلّ معنى اسم من ذلك الأصل، وخولف بينها في حركة البنية.
والنّار والنّور من أصل واحد، كما قالوا: الميل والميل، وهما جميعا من مال.
فجعلوا الميل - بفتح الباء - فيما كان خلقة فقالوا: في عنقه ميل، وفي الشجرة ميل.
وجعلوا الميل - بسكون الياء - فيما كان فعلا فقالوا: مال عن الحق ميلا، وفيه ميل عليّ، أي تحامل.
وقالوا: اللّسن واللّسن واللّسن، وهذا كله من اللسان، فاللّسن: جودة اللّسان.
واللّسن: العذل واللوم. ويقال: لسنت فلانا لسنا: أي عذلته، وأخذته بلساني.
واللّسن: اللّغة. يقال: لكلّ قوم لسن.
وقالوا: حمل الشجرة - بفتح الحاء - وحمل المرأة - بفتح الحاء - وقالوا لما كان على الظهر: حمل، والأصل واحد.
في أشباه لهذا كثيرة. وقد ذكرنا منها طرفا في صدر الكتاب.
وأما الرّوح: فروح الأجسام الذي يقبضه الله عند الممات.
والرّوح: جبريل عليه السلام. قال الله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلى قَلْبِكَ) [سورة الشعراء: 193، 194] ، يعني جبريل. وقال: (وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [سورة البقرة: 253] ، أي بجبريل.