(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
مجْلِس فِي قَوْله تَعَالَى (يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا)
147 -فِي حِسَاب الْمَلَائِكَة وَالرسل واللوح الْمَحْفُوظ
رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (تقف للعرض الْأَكْبَر بَين يَدي رب الْعَالمين فيغرقون على قدر أَعْمَالهم)
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ يَقُول الله تبَارك وَتَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة يَا بني آدم أنصتوا فطالما نصت لكم.
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فقد نصت لكم من يَوْم خلقتكم إِلَى يَوْم هَذَا أسمع قَوْلكُم وَأنْظر أَعمالكُم فانظروا الْيَوْم أَعمالكُم تعرض عَلَيْكُم فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه احشروا عَليّ عبَادي فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يجوزني ظلم ظَالِم.
فَكيف بك يَا مِسْكين يَا مغرور يَا تَارِك الْحق وَالصَّوَاب يَا مُخَالف السّنة وَالْكتاب يَا ظَالِما لنَفسِهِ يَا غافلا عَن الْحساب يَا من بذل نَفسه لأليم الْعَذَاب يَا من تَمَادى فِي مَعْصِيّة رب الأرباب وَنسي الْجنَّة وَحسن المآب
وأنشدوا
(إِلَى كم لَا تفيق من التصابي ... وَهَذَا الْعُمر يُؤذن بالذهاب)
(ويرضى بِالْقَلِيلِ الْمَرْء حظا ... ويزهد فِي الْكثير من الثَّوَاب)
(فَقدما غرت الدُّنْيَا أُنَاسًا ... كَمَا غر المحين بِالشرابِ)
(تمنيهم غرُورًا باطلات ... وتخدعهم بآمال كَذَّاب)
(كَأَنَّك لَا ترى فِي كل يَوْم ... جنائز تستحث إِلَى الخراب)
(خلقت من التُّرَاب وَعَن قريب ... ستلحق غير شكّ بِالتُّرَابِ)
(وتحيا بعد موتك كي تجازي ... بِمَا قدمت فِي يَوْم الْحساب)
(فَإنَّك تَكُ بالمسيء بقبح فعل ... فحسبك بالعقاب مَعَ الْعَذَاب)
(وَإِن كنت الَّذِي قدمت خيرا ... جزيت بِهِ غَدا حسن المآب)
(نصيحة)
فَانْظُر لنَفسك يَا مِسْكين يَا ضَعِيف الْإِيمَان وَالْيَقِين قبل حُلُول النَّدَم وَزَوَال النعم ونزول النقم حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم
فاستعد للسؤال وتهيأ للجدال قَالَ الله الْكَبِير المتعال {يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا وَتوفى كل نفس مَا عملت وهم لَا يظْلمُونَ} [سورة النَّحْل 111] . انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...