قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً}
دعا عليه السلام مشركي العرب إلى مِلّة إبراهيم؛ إذ كان أباهم وباني البيت الذي به عِزهم؛ والأمّة: الرجل الجامع للخير، وقد تقدم محامله.
وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن مسعود قال: يرحم الله معاذا! كان أُمّة قانتا.
فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ذكر الله عز وجل بهذا إبراهيم عليه السلام.
فقال ابن مسعود: إن الأمّة الذي يعلّم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع.
وقد تقدم القنوت في البقرة و"حنيفا"في الأنعام.
قوله تعالى: {شَاكِراً} أي كان شاكراً.
{لأَنْعُمِهِ} الأَنْعم جمع نِعْمة، وقد تقدم.
{اجتباه} أي اختاره.
{وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا حَسَنَةً} قيل: الولد الطيب.
وقيل الثناء الحسن.
وقيل: النبوّة.
وقيل: الصلاة مقرونة بالصلاة على محمد عليه السلام في التشهد.
وقيل: إنه ليس أهل دين إلاّ وهم يتولّوْنه.
وقيل: بقاء ضيافته وزيارة قبره.
وكل ذلك أعطاه الله وزاده صلى الله عليه وسلم.
{وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين} .
"مِن"بمعنى مع، أي مع الصالحين؛ لأنه كان في الدنيا أيضاً مع الصالحين.
وقد تقدم هذا في البقرة.
{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) }
قال ابن عمر: أمِر باتباعه في مناسك الحج كما علّم إبراهيمَ جبريل عليهما السلام.
وقال الطبري: أمِر باتباعه في التبرؤ من الأوثان والتزين بالإسلام.
وقيل: أمِر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه؛ قاله بعض أصحاب الشافعي على ما حكاه الماوردي.
والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع؛ لقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] .