مسألة: في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول لما تقدم إلى الصواب والعمل به ، ولا دَرَك على الفاضل في ذلك ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام ، وقد أمِر بالاقتداء بهم فقال: {فَبِهُدَاهُمُ اقتده} [الأنعام: 90] .
وقال هنا:"ثم أوحينا إِلَيْكَ أنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ".
قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ}
أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا من دينه ، بل كان سَمْحا لا تغليظ فيه ، وكان السبت تغليظاً على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في المعاش بسبب اختلافهم فيه ، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقال: تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوماً واحداً.
فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا ، فاختاروا الأحد.
وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من الاختلاف ؛ فقالت طائفة: إن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة وعيّنه لهم ، وأخبرهم بفضيلته على غيره ، فناظروه أن السبت أفضل ؛ فقال الله له: دعهم وما اختاروه لأنفسهم.
وقيل: إن الله تعالى لم يعيّنه لهم ، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه ، فعينت اليهود السبت ؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق.
وعينت النصارى يوم الأحد ؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق.
فألزِم كلّ منهم ما أداه إليه اجتهاده.
وعيّن الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير أن يَكِلَهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة ، فكانت خيرَ الأمم أمة.