قوله: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً...} [النحل: 80] .
كلمة سكن مأخوذة من السكون، والسكون ضد الحركة، فالبيت نُسمّيه سكناً؛ لأن الإنسان يلجأ إليه ليرتاح فيه من حركة الحياة خارج البيت، إذن: في الخارج حركة، وفي البيت سكن.
والسكن قد يكون مادياً كالبيت وهو سكن القالب، وقد يكون معنوياً، كما قال تعالى في حَقِّ الأزواج: {خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا. .} [الروم: 21] .
فالزوجة سكَنٌ معنويٌّ لزوجها، وهذا يُسمّونه سكن القلب.
فإنْ قال قائل:
{مِّن بُيُوتِكُمْ...} [النحل: 80] .
يعني: نحن الذين صنعناها وأقمناها. فكيف جعلها الله لنا؟.
نقول: وأنت كيف صنعتها؟ ومِمَ بنيْتها؟ صنعتَها من غابٍ أو خشب، أو بنيْتها من طين أو طوب. . كل هذه المواد من مادةَ الأرض من عطاء الله لك، وكذلك العقل الذي يُفكّر ويرسم، والقوة التي تبني وتُشيّد كلها من الله.
إذن: {جَعَلَ لَكُمْ} إما أنْ يكون جَعْلاً مباشراً، وإما أنْ يكون غير مباشر. . فالله سبحانه جعل لنا هذه المواد. . هذا جَعْل مباشر، وأعاننا وقوّانا على البناء. . هذا جَعْلٌ غير مباشر.
لكن في أيّ الأماكن تُبنى البيوت؟
البيوت لا تُبنَى إلا في أماكن الاستقرار، التي تتوفّر لها مُقوّمات الحياة. . فقبل أن نُنظّم مدينة سكنية نبحث أولاً عن مُقوّمات الاستقرار فيها من مأكل ومشرب ومرافق وخدمات ومياه وصرف. . إلى آخره.
فإن وجدت هذه المقوّمات فلا مانعَ من البناء هنا. . فإذا لم توجد المرافق في الصحراء ومناطق البدو، هنا لا يناسبها البيوت والبناء الدائم، بل يناسبها: