68 -ولمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى دلائل قدرته وعجائب صنعته الدالة على وحدانيته، من إخراج اللبن من بين فرث ودم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب .. ذكر في هذه الآية إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء للناس من دابة ضعيفة وهي النحلة، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ} يا محمَّد {إِلَى النَّحْلِ} ؛ أي: إلى ذباب العسل وزنبوره؛ أي: ألهمها وقذف في قلبها وعلمها بوجه لا يعلمه إلا هو تعالى، نظير قوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) } .
والخطاب فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد به كل فرد من الناس ممن له عقل وتفكر، يستدل به على كمال قدرة الله ووحدانيته، وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته وقدرته.
وأصل الوحي الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، ويقال الكلمة الإلهية التي يلقيها الله تعالى إلى أنبيائه وحيٌ، وإلى أوليائه إلهامٌ، وتسخير الطير لما خلق له وحي، ومنه قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} ؛ أي: أنه تعالى سخَّرها لما خلقها له، وألهمها رشدها وقدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة، التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتًا على شكل مسدس من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال .. لكان فيما بينها خلل، ولما حصل المقصود، فألهمها الله سبحانه وتعالى أن تبنيها على هذا الشكل المسدس، الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية ضائعة.