[لطيفة]
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (النحل: 72) ، وفي العنكبوت: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت: 67) ، للسائل أن يسأل عن ثبوت الضمير المنفصل المبتدإ في قوله: (هُمْ يَكْفُرُونَ) في آية النحل وسقوطه من آية العنكبوت مع أن المعنى متحد والعبارة متكررة أعني قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ....) الآية، فما وجه ذلك؟
والجواب، والله أعلم: أن الوارد في آية لانخل راجع إلى من قدم ذكرهم في قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) (النحل: 56) ، وفي قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) (النحل: 57) إلى قوله: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (النحل: 60) ، وقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل: 72) ، فلما كان قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) راجعاً إلى ما تباعد أتى بضميرهم المشعر بالبعد هو ضمير الغائبين فقيل: (( هم ) )، وارتفع بالإتيان به توهم عودة ضمير يُؤمنون إلى المقول لهم: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) .
فإن قيل: لو قيل تؤمنون وتكفرون على الخطاب لكان للمخاطبين بقوله: (لكم ) ) أما على وروده على طريقة الإخبار عن الغائبين فلا يوهم ما ذكرت فلا ضرورة تدعو إلى
ضميرهم. قلت: هذا لو لم يكن الالتفات من فصيح كلام العرب، وهو الرجوع عن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب وإلى المتكلم كقوله:
تطاول ليلك بالإثمد ونام الخلي ولم ترقدِ
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمدِ