ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: {وليبينن لكم يوم القيامة} بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء. {ما كنتم فيه تختلفون} حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم. ثم بين أنه سبحانه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: {ولتسئلن عما كنتم تعملون} ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً. أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل. روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة. قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها وهو نقض بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والدليل على هذا التخصيص قوله: {فتزلَّ قدم بعد ثبوتها} لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة. وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية ، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: {وتذوقوا السوء} في الدنيا {بما صددتم} بصدودكم أو بصدكم غيركم {عن سبيل الله} لأن المرتد قد يقتدي به غيره. {ولكم عذاب عظيم} في الآخرة. ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم. قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك ، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض