ووطئ أثره، وبلغ أجله الذي طار له يومئذٍ في الكلمة العلية، والقدر السابق ثم إذا
كان يوم القيامة أخرج له نسخة ما عمله من عمل، حواه كتابه الأول؛ وهو: اللوح
المحفوظ، فيصح هذا الكتاب الذي كتبه الحافظان - عليهما السلام - على ما تقدم
له في كتاب بعضها يصحح بعضًا، وهو موضع الحجة على المكلف، في
الكتاب المنتسخ من عمله الذي أثبته عليه حافظاه.
(وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) قراءة مجاهد وابن محيصن
والحسن ويعقوب:"ويَخرج"بفتح الياء"كتابًا"أي: ويخرج له الطائر كتابًا، وقراءة
أُبي:"طائره في عنقه"يقرؤه يوم القيامة كتابًا.
يقول الله، جلَّ من قائل: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)
لله الحجة البالغة بقدرته القاهرة في سبق علمه، وسوقه العباد
بإراداتهم إلى ما سبق في مشيئته (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23)
عمَّا أتوا مما نهوا عنه بعد الإعذار والإنذار، وإرسال الرسل وإنزال الكتب،
فآثروا أهواءهم، واستمروا على كفرانهم، مقرين بذلك على أنفسهم (بَلِ الْإِنْسَانُ
عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) . أي: بما يجده من عزم
نفسه على إنفاذ مراده، واستمراره على إنفاذ شهواته، حتى أنه ليكيد لذلك بغاية ما
يستطيعه، وربما تحمل في ذلك سفك دمه وهلاك نفسه وولده، ولو ألقى معاذيره
واحتجاجه بالعدل الأول الذي استأثر به ربه - جل ذكره - في الأزل، وقرأه مجاهد
وابن [محيصن] والحسن ويعقوب"ويَخرج"بفتح الياء"كتابًا"أي: ويخرج له الطائر
كتابًا.
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا
لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) . معنى هذه الآية والتي في سورة
الشورى سواء، قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...)
غير أن هذه التي في هذه السورة أَجلَى وأبين.
وجاءت آية في سورة"هود: فيها بعضى الإشكال، قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ"