وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66) والعبرة الآية، أي: أنشأ لكم أنعامًا فيه الآية، هو صلة قوله: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام لكم فيه الآية أنشأ - عَزَّ وَجَلَّ - في الأنعام لبنًا غذاء الأولاد، في الوقت الذي لا يحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن وفي الأشياء التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن، ولم يجعل لها فضل لبن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) ذكر بالتذكير، فظاهره أن يذكر بالتأنيث؛ لأنه إما أن يريد به الأمهات التي يدر منها اللبن أو جماعة من الذكران منها، فكيفما كان فهو يذكر بالتأنيث، لكن بعضهم يقول: ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل، وهذا يدل لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم اللَّه - لقولهم في لبن الفحل أنه يحرم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر من بين الأجناس والجواهر دون العدد والجماعة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) وقال ابن عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنه: يعني استخراج اللبن من بين فرث ودم، وذلك أن العلف إذا وقع في الكرش طبخه الكرش، فيجعل الفرث أسفله والدم أعلاه واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويُبقي الفرث في الكرش كما هو.