المتباعدةِ صارَ كلُّ فريقٍ منهُم يقرأ القرآن على الحرفِ الذي وصلَ إليه.
فاختلفُوا حينئذٍ في حروفِ القرآنِ ، فكانُوا إذا اجتمعُوا في الموسمِ أو غيرِه
اختلَفُوا في القرآنِ اختلافًا كثيرًا.
فأجمعَ أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في عهدِ عُثمانَ على جمع الأمَّة على حرفٍ واحدٍ ، خشيةَ أنْ تختلفَ هذه الأُمَّةُ في كتابِها كما اختلفتْ الأمم قبلَهُم في كُتُبِهِم ، ورأوا أنَّ المصلحةَ تقتضي ذلك.
وحرقوا ما عدا هذا الحرفَ الواحدَ من المصاحفِ وكان هذا من محاسنِ
أميرِ المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - التي حمده عليها عليٌّ وحذيفةُ وأعيانُ الصحابةِ.
وإذا كان عمرُ قد أنكرَ على هشامِ بنِ حكيم بنِ حزامٍ على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في آيةٍ أشدَّ الإنكارِ وأُبيُّ بنُ كعبٍ حصلَ له بسببِ اختلافِ القرآنِ ما أخبرَ به عن نفسِهِ من الشكِّ ، وبعضُ مَنْ كان يكتبُ الوحي للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
ممن لم يرسخ الإيمانُ في قلبِهِ ارتدَّ بسببِ ذلك حتى ماتَ مُرتدا.
هذا كلُّه في عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فكيفَ الظنُّ بالأُمَّةِ بعده أنْ لو بقيَ الاختلافُ في ألفاظِ القرآنِ بينَهُم.
فلهذا تركَ جمهورُ علماءِ الأمةِ القراءةَ بما عدا هذا الحرفِ الذي جمعَ عثمانُ
عليه المسلمينَ ، ونهَوا عن ذلك. ورخَّص فيه نفرٌ منهُم ، وحُكيَ روايةً عن
أحمدَ ومالكٍ مع اختلافٍ عنهُما على ذلكَ به في الصلاةِ وغيرِها أم خارج
الصلاةِ فقط.
وبكلِّ حالٍ: فلا تختلفُ الأمَّةُ أنَّه لو قرأَ أحد بقراءةِ ابنِ مسعودٍ ، ونحوِها
مما يخالفُ هذا المصحفُ المجتمعُ عليه ، وادَّعى أنَّ ذلكَ الحرفَ الذي قرأ به
هوَ حرفُ زيدِ بنِ ثابتٍ الذي جمعَ عليه عثمانُ الأُمَّةَ ، أو أنَّه أولى بالقراءةِ
من حرفِ زيدٍ: لكانَ ظالمًا مُتعديًا مُستحقا للعقوبةِ.
وهذا لا يختلفُ فيه اثنانِ من المسلمينَ.