الخوَرِ والاضطرابِ المُسَرْبَل بالحريرِ والذهبِ، والغارقِ في بحرٍ من التَّرَفِ والغرور، وهذه القصةُ تعتَبَر وصفًا شاملاً لِما حَصَل قبل موقعةِ القادسية، وهي طويلة لا يَحتَمِلها نطاق المجلةِ؛ فليرجِع إليها مَن شاء.
ولكن طولَها لا يَمنَعُنا من إيرادِ موقفٍ رائعٍ من مواقفِها حَدَث بين النعمان بن مُقرِّنٍ - وكان على الوفدِ، الذي انتُدِب لمفاوضة ملك الفُرْس - وبين هذا الملك، فقد قال الملك لترجمانِه:"سَلْهُم ما جاء بكم، وما دعاكم إلى غزونا، والولوع ببلادِنا؟ أمن أجلِ أنَّا أَحجَمناكم وتَشَاغَلنا عنكم، اجتَرَأتم علينا؟"، فقال لهم النعمان بن مُقرِّنٍ:"إن شِئتُم، أجبتُ عنكم، ومَن شاء آثرتُه، فقالوا: بل تكلَّم، وقالوا للملكِ: كلامُ هذا الرجل كلامُنا، فتكلَّم النعمان، فقال: إن اللهَ رَحِمنا؛ فأَرسَل إلينا رسولاً يدلُّنا على الخيرِ ويأمرُنا به، ويعرِّفنا الشرَّ ويَنهَانا عنه، ووَعَدنا على إجابتِه خيرَ الدنيا، فلم يدعُ إلى ذلك قبيلةً إلا صاروا فرقتين: فرقة تقاربُه، وفرقة تباعدُه، ولا يدخلُ معه في دينِه إلا الخواصُّ، فمَكَث بذلك ما شاء الله أن يَمكُث، ثم أمره الله أن ينبِذَ إلى مَن خالفه من العرب؟ وبدأ بهم ففعل، فدَخَلوا معه جميعًا على وجهين: مُكْرَهٍ عليه فاغتبط، وطائعٍ أتاه فازداد."