فالجواب على الوجه الأول: من وجهين أحدهما أن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على خراب مكة، وأورد على هذا ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» أخرجاه في الصحيحين.
وأجيب عنه بأن قوله: (اجعل هذا البلد آمنا) يعني إلى قرب القيامة وخراب الدنيا.
وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذو السويقتين فلا تعارض بين النصين.
الوجه الثاني: أن يكون المراد اجعل أهل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: (ويتخطف الناس من حولهم) وأهل مكة آمنون من ذلك حتى إن من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وما له من ذلك، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة من الحرم استوحشت فإذا دخلت الحرم أمنت واستأنست لعلمها أنها لا يهيجها أحد في الحرم وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها وأما الجواب عن الوجه الثاني: فمن وجوه أيضا:
الوجه الأول: أن دعاء إبراهيم عليه السلام لنفسه لزيادة العصمة والتثبيت، فهو كقوله (واجعلنا مسلمين لك) .
الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام، وإن كان يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء، هضما للنفس وإظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى ورحمته، وأن أحدا لا يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه الله به، فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء، وأما دعاؤه لبنيه، وهو الوجه الثالث من الإشكالات فالجواب عنه من وجوه:
الأول أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه، ولم يعبد أحد منهم صنما قط.
الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء ولا شك أن إبراهيم عليه السلام قد أجيب فيهم.