قلت: الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفي الخلة الحاصلة، بسبب ميل الطبيعة، ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثباتها محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم.
وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة، ففي بعضها يشتغل كل خليله عن خليله، وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض، إذا كانت تلك المخالة لله في محبته.
قوله سبحانه وتعالى (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)
«فإنْ قلتَ» : أي فرق بين قوله (اجعل هذا بلدا آمنا) وبين قوله (اجعل هذا البلد آمنا) ؟
قلت: الفرق بينهما أنه سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فيها ولا يخافون، وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا.
(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ)
يعني أبعدني وبنيّ أن نعبد الأصنام.
«فإنْ قلتَ» : قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه:
الأول أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنة ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها.
الوجه الثاني: أن الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام معصومون عن عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله (اجنبني) عن عبادتها.
الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه عن عبادة الأصنام، وقد وجد كثير من بنيه عبد الأصنام مثل كفار قريش، وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم عليه السلام؟
قلت: الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه: