الخامس: في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين} حثٌّ على الإحسان ، وإشارة إلى أن المحسن يجزى أحسن جزاء منه تعالى ، وإن لم يجزه المحسن إليه .
ثم بيَّن تعالى رأفة يوسف بتعرفه إليهم بقوله:
{قَالَ} أي: يوسف مجيباً لهم: {هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} أي: شبان غافلون ؟ استفهام تقرير ، يفيد تعظيم الواقعة . ومعناه: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف ، وما أقبح ما أقدمتم عليه ! كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت وهل تعرف من خالفت ؟ وهذه الآية تصديق لقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [يوسف: من الآية 15] .
[لطائف]
الأولى: أبدى المهايمي مناسبة بديعة في قول يوسف لهم: {هَلْ عَلِمْتُم} إثر قولهم: {إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين} وهو أنهم أرادوا بقولهم: {إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين} أنه يعطيهم في الآخرة ما هو خير من العوض الدنيوي ، فأشار لهم يوسف بأنكم تريدون دفع الضرر العاجل ، بوعد الأجر الآجل ، ولا تدفعون عن أنفسكم الضرر الآجل ، كأنكم تنكرونه ، هل علمتم ضرر ما فعلتم بيوسف ؟ .
الثانية: قيل: من تلطفه بهم قوله: {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} كالاعتذار عنهم ؛ لأن فعل القبيح على جهل بمقدار قبحه ، أسهل من فعله على علم . وهم لو ضربوا في طرق الاعتذار لم يُلفوا عذراً كهذا . ألا ترى أن موسى عليه السلام ، لما اعتذر عن نفسه لم يزد على أن قال: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] ففيه تخفيف للأمر عليهم .